الشيخ عبد الغني النابلسي
235
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وإنما قلنا هنا ولا سبيل إليه أعني الاعتدال الحقيقي في الحياة الدنيا ولا في الآخرة في مزاج من الأمزجة مطلقا من أجل أن الحقائق ، أي أعيان الأشياء المخلوقة كلها وأن الشهود ، أي المعاينة لها من بعضها لبعض بالحس أو العقل يعطى ذلك لمن كشف عنه التكوين ، أي الإيجاد الجديد مع الأنفاس فكل نفس بفتح الفاء يذهب اللّه تعالى فيه بجميع المخلوقات ويأتي بمخلوقات أخرى غيرها على صورتها وشكلها مما يشبه الأولى أو يقاربها على الدوام في الدنيا والآخرة كما قال تعالى : بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ [ ق : 15 ] ، وقدمنا ذكر هذا مفصلا ولا يكون هذا التكوين المذكور إلا عن ميل ، أي توجه من الذي يكون عليه يسمى ذلك الميل إذا ظهر في عالم الطبيعة الإنسانية وغيرها انحرافا ، أي خروجا عن حد الاعتدال النسبي أو يسمى تعفينا لاقتضائه فساد الأخلاط وتغير المزاج وفي حق الحق تعالى يسمى إرادة وهي ، أي الإرادة الإلهية ميل ، أي توجه قديم أزلي أبدي ليس بمعنى غرضي ولا يشبهه إلى المراد اللّه تعالى الخاص في علمه سبحانه دون غيره من بقية المرادات ، فكل مراد له ميل يخصه عن تلك الإرادة الإلهية هو عين تلك الإرادة باعتبار فاعليته ، وغيرها باعتبار انفعاله لما اقتضاه العلم القديم . والاعتدال الحقيقي يؤذن بالسواء في طبيعيات الجميع وكيفيات أمزجتهم وهذا الأمر ليس بواقع أصلا ولا يمكن وقوعه إلا إذا شاء اللّه تعالى كما قال سبحانه : أَ لَمْ تَرَ إِلى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شاءَ لَجَعَلَهُ ساكِناً [ الفرقان : 45 ] ، فأشار إلى حركة ظل الكائنات عن شمس أحدية وجوده القديم ، ولو شاء لجعله ساكنا بإرجاعه إلى الثبوت العلمي كما قال سبحانه : وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [ الأنعام : 13 ] ، يعني والمتحرك لنفسه لا له لدعواه الاستقلال في الخلق الجديد ، وهو قوله تعالى : وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ [ الأعراف : 143 ] ، يعني في الثبوت العلمي والعدم الأصلي فسوف تراني ؛ فلهذا ، أي لكون الأمر كما ذكر منعنا من وجود حكم الاعتدال الحقيقي أصلا كيف وقد ورد إلينا في العلم الإلهي النبوي ، أي المنقول عن النبي صلى اللّه عليه وسلم اتصاف الحق تعالى فيه بالرضا عن قوم وبالغضب على قوم وبالصفات من ذلك كالراضي والغضبان وغير ذلك من المتقابلات والرضا مزيل للغضب ، لأنه يقابله في كل ما تعلق به والغضب أيضا مزيل للرضا عن المرضى عنه كذلك والاعتدال في ذلك أن يتساوى الرضا والغضب معا في حقيقة واحدة فتقبل ظهور الأثرين معا وهو ممتنع فما غضب الغاضب القديم سبحانه والحادث على